سيجارة جوني ديب

Filed under: حكى | Tags: | September 12th, 2013

جوني ديب يدخن سيجارته بهدوء وهو يطالعني من خلفية شاشة الكمبيوتر. أغلق الشاشة مدفوعاً بمحاولتي الأخيرة للبقاء يقظا. الضوء الخافت يتسرب من ركن بعيد والأفكار المقيدة تتنازع في داخلي. أريد أن أتحرر.

أندفعت نحو باب الشرفة ودفعته بقوة كمن يريد أن يتخلص من ماضي ثقيل ويطير. أنفتح على مصراعية ومضيت حافيا نحو هواء الليل السابح في الملكوت. هاهي أضواء هناك تلمع، بعيدة كأنها حافة العالم. أتوق للحكي وللكلام ولكن يخرج مني شئ. كل ما أكتبه يشبه ثقلا لا يتزحزح يربض فوقي ويصارعني. لا أعلم شيئا عن اللحظة التي قررت أن أصير فيها كاتبا. كما كانت مغامرة غير محسوبة!

سيجارة أخري ونفس يخرج مندفعا نحو المجهول الليلي. الشارع الذي شهد أعنف أحداث الثورة، هاهو مسجي أمامي يغط في ثبات عميق. هاهو الجرافيتي يبدو كأشباح تطالع بعضها البعض في صمت. لا شئ يمر في ساعات حظر التجوال  سوى عجوز على دراجه، يمضي وحده كأنه أتي بعد الطوفان.

في أي يوم قررت أن أكون كاتب؟ لا أعلم. ما الذي دفعني نحو هذا القدر؟ ظننت أن الكتابة كالحلم، كلما صعدت درجة تحررت. ظننت أن كلما خططت سطرا، أنبت الياسمين على السياج وأنفتح الطريق نحو التلال البعيدة. ظننت أن كلما كتبت، تحررت من المجهول الساكن في.  كبر المجهول مع كل كلمة وتاهت في داخلي الأزمنة. الكتابة ليست حلم كما يظنون. الكتابة هو أن تعيش في داخلك ألف مرة لتخرج بالمعني الكامن. الكتابة هو هذا المجهول القلق الذي يراقبك طيلة الوقت.

أتذكر صديقي يحيي عندما قال لي “أنت تحب الكتابة لأن الكاتب الذي في داخلك هو صديقك المفضل”. لا أعلم أن كان على حق فيما قال. ربما كان صديقي المفضل ولكني أحيانا أهابه. أنه عنيد ويلقي على مسامعي ثقل الحكاية ويتركني شاردا فيها. يفاجئني في الليل وفي الطرقات ويعيد الحكاية وفي كل مرة يروي لي شئ غاب عني. في كل مرة يكشف لي شئ جديد لم أعلم به.

هنا الليل يطوف أسطح المباني والشرفات ويمر بي كأنه عابر سبيل. هناك خلفي تكمن صفحات الرواية وأبطال تركتهم في لحظة إشتعال الأحداث.

أعود إلى الشاشة وإلى شخصياتي وأتسائل “في أي لحظة قررت أن أكون كاتبا؟” لا أعلم. كل ما أعرفه أن البطل في هذه الرواية يريد أن يتحرك الأن في طريقه. أحرره.. تنطلق أصابعي على الحروف….

ياسر أحمد

في أمل

Filed under: حكى | Tags: | August 31st, 2013

عندما تغني فيروز، يهدأ الكون ويسير على مهل

“عندي سنونو و في عندي قرميد

بعرف شو يعني إذا إنتَ بعيد

بس حبيبي … إحساسي ما عاد يرجعلي من جديد”

جلسنا نتبادل الصمت وكأننا أثنين التقيا عند نهاية الطريق حيث لم يبقى سوى الأفق المتسع. تتراجع الذكريات والأحلام أمام اللحظات المتمهلة ويبدو العالم أمامنا هادئا أكثر من أي وقت مضى.

أحيانا نلاحق الحياة محاولين اللاحق بها ونحن لا نعلم أن الحياة تكمن في التفاصيل البطيئة.

تغني فيروز

“في ماضي منيح بس مضى

صفّى بالرّيح بالفضاء

و بيضلّ تذكار عَ المشهد صار

في خبز في ملح و في رضا

يوميّة ليل و بعدو نهار

عمري قدّامي عم ينقضى

شوف القمح اللّي بيطلع بالسّهول

شوف المي اللّي بتنزل عَ طول

حبيبي … إحساسي هالقدّ معقول يزول”

تلك العينين تحملان كل الأشياء التى تخطر على البال في لحظة صفاء، تظل سارحة على مقعدها بجواري والهواء البارد يتهادي مع صوت فيروز القادم من الراديو القديم.

قبل أن ترحل سألتني

-   في أمل؟

أبتسمت وأنا أتطلع نحوها وهي تمضي مبتعدة في الشارع ولم تكن تعلم أني

في أمل

على جسر خشبي

Filed under: حكى | Tags: | June 26th, 2013

علي جسر خشبي في الليل مشينا. هناك كان الماء يلمع على الجانبين وأحساسي المنطلق يقول لي، أنت تحلم. تنظر إلى بعينين تتشبث بكل كل كياني. لا شئ يشبه تلك الرجفة ولا ذلك الأمل. أقول للحلم، هل أنا أحلم؟ فيرد على بطريق يمتد نحو بيت قديم وهي تمضى أمامي وتجرني من يدي. في البيت رجل عجوز وأمرأة يتحدثان لي عن حرب أهلية أستمرت لسنوات. أقول للحلم، هل أنا في لبنان؟ فيرد الحلم بجواز سفر وصورة قديمة والرجل يشير بحزن إلى أبنته الكبرى التي علقت بمدينة مصرية حينها ولم تعد.

معلقا أنا بين سماء الحلم وأرضه، هناك في الهواء. أحاول أن  أستدل على شئ خرافي، عن اللحظة التي تتبدل فيها الاشخاص والأماكن ولكن الحلم لم يتخلي عن واقعيته. أمشي خفيفا وهي تسير أمامي بشعرها المنسدل حتى نصل إلى هناك حيث تشير إلى مطعم على البحر. أسأل الحلم، لماذا أنت خفيف الروح؟ فيقول لي صدقني، صدق هذا البحر. تجلس أمامي فأنتظر أن يتغير شئ ولكنها نفس العينين المعلقة في ذاتي. نفس الوجه الدائري الجميل لم يتغير منذ مشينا على الجسر. أسأل الحلم، كم مر علينا؟ فيقول ثلاثة أيام.

تغدو الأشياء ملء الحواس، الليل الساكن ورائحة البحر وعينيها المتشبثتان بي ولائحة الطعام. أقول للحلم، من أين أتت؟ فيرد بشئ من الحنين يمر على كطيف قديم.

هل أنا أحلم ولا أحلم في نفس الوقت؟

أما هي، فكان وجهها يسافر في دروبي كهواء البحر وعينيها تتشبث بي. كل شئ حقيقي ولم يجربه من قبل خيالي حتى أصدق أنه حلم.

حذاء هدى

Filed under: تدوينات | Tags: | May 22nd, 2013

هذا الصباح في متجر الكتب بميدان طلعت حرب رد عليها البائع قائلاً “على الله يا بنتي”. لم ألتفت وخرجت إلى الشارع فلاحقتني بطلبها ورددت مثلما قال البائع ولكنها سبقتني بخطوتين ثم أستدارت معترضة طريقي. قالت بتلقائية بديعة

  –  طب ممكن تجيبلي شبشب؟

أنتزعتني من عالمي ودون أن أشعر وجدت نفسي أنظر إلى الأرض حيث قدميها. حافية على رصيف ساخن في يوم لا ترحم فيه الشمس الحارقة أحد. أنتبهت كل حواسي وخرجت من عالمي وإذا بي أمسك بكفها الصغير لنعبر الطريق. سألتها من أين لنا بحذاء؟ فأشارت نحو شارع قصر النيل ببساطة قائلة

  –  من هنا

رن هاتفي وعندما رددت أكتشفت أنه خطأ في الرقم فعلقت بعد أن أنهيت المكالمة

  –  اللي بيتصلوا بأرقام غلط دول بيبقوا عاوزين يكلموا بنات

طالعتها مبتسما، عفويتها تأثر القلب. رقيقة وبسيطة ولا يبدو عليها أن من أطفال الشوارع، ملابسها جميلة ونظيفة وتتحدث إلى بلا توقف وكأني قريب تعرفه منذ زمن. شئ ما جمعنا فصرنا نتحدث بلا توقف، ننتقل بين المتاجر منتقين حذاء، تعرض على الحذاء تلو الحذاء لأبدي رأيي وكأننا في نزهة تسوق مشوقة. تعرف ماذا تريد ولها ذوقها الخاص ولا ترضخ لترشيحات الباعة بل تشير نحو ما تريد بثقة أمرأة مكتملة الشخصية وليس طفلة لم تتجاوز التاسعة من العمر.

أتت بكيس بلاستيكي وأرتدته قبل أن تجرب الحذاء حتى لا يتسخ فينظر لها البائع ممتنا ومندهشا في نفس الوقت أما فكنت أستمتع بكل ما تفعله وأتأملها وهي تستقر أخيرا على حذاء شكله جميل. أنطلقنا عائدين بعد أن أرتدت حذائه الجديد ثم سألتني

  –  أنت رايح فين؟

لسبب ما بدا السؤال معتادا وكأنني أعرفها جيدا وكأنها جزء من حياتي اليومية، أجابتها ببساطة

  –  رايح الشغل

أشارت نحو الطريق وكأنها أرادت أن أن تكمل معي الرحلة فهززت رأسي موافق، قالت ونحن نسير

 -  أسمك أيه؟

  –  ياسر

  –  زي أبويا

أندهشت فطالعتني مبتسمة ثم تابعت

  –  أبويا أسمه ياسر

سألتها عن عمله فقالت أنه تركهم، لقد كان يعمل سائقا ثم تحول إلى بائع مناديل والأن يجلس عند أمه وهي التي تصرف عليه. تحكي هدى قصتها ببساطة وثقة لا أجدها حتى في مديرين التسويق بالشركات العالمية. ربما لو كانوا هنا لتعلموا منها كيف تعبر عما تريد بكلمات قليلة ومعبرة “قاعد عند أمه بتصرف عليه”.

نبهتها أن تأخذ حذرها من أطفال الشوارع فقالت أنها لا تتحدث معهم فقد رأتهم بعينيها يفعلون أشياء سيئة في البيت المهجور المجاور للنادي الدبلوماسي. قلت لها الشارع غير أمن وستضيع فقالت أن أمها قالت لها هذا وأنها في البداية طلبت منها أن تبيع المناديل دون أن تمد يدها ولكنها عادت وطلبت منها أن تسأل الناس المال. تحكي بلا توقف

  –  أمي ضربيتني أمبارح بالخرطوم وبعدين لما قعدت أعيط وأقول والنبي والنبي.. رمت الخرطوم وحضنتني وقعدنا نعيط سوا

حقيقة لم أعرف ماذا أقول، تهت في نفسي ولكنها تابعت

  –  أمي قالتلي هتضيعي زي أخواتك البنات.. أختي الكبيرة سلمت نفسها للمؤسسة

مررنا على بائع فاكهة فأشارت نحو المشمش المرصوص وقالت

  –  هاتلي مشمش

قالتها كطفل يطلب من أباه شئ أعجبه في الطريق، أبتعنا مشمش لكلينا ثم سألتها

  –  بتروحي المدرسة

  –  أه بس أحنا خلصنا الأمتحانات

تحدثت معها طويلا محذرا من مصير الشارع وأن لا تسمع كلام أمها عندما تطلب منها النزول إلى الشارع فصمتت مفكرة ثم قالت

  –  من كام يوم وأنا داخله أشحت من المحل لقيت صحبتي في الفصل ومعاها أمها.. أمها ما أخدتش بالها بس أنا عيطت

وقفنا أمام المنزل الذي أقطن به وكنت قد قررت أن أغير وجهتي، أشرت إلى الدور الذي أسكن به وقلت لها

 -  أنا ساكن هنا يا هدى لو أحتجتي حاجه تعالي

تعرفت على الشارع جيدا ودققت في البيت حتى لا تنساه ثم مضت تقفز على الرصيف بحذائه الجديد وتضم كيس المشمش إلى صدرها.

قد تأتيني هدى ذات يوم أو قد تضيع في الزحام، لا أعلم. قد تكون هدى أقوى من أمها أو أقوى من أختها التى سلمت نفسها لمؤسسة الأحداث. في عينها شئ يقول لن أضيع وحدي. لو قابلت هدى ثانية سأخبركم.