المدن البعيدة

Filed under: حكى | Tags: | February 20th, 2012

هل تعرفين المدن البعيدة التى لا تقترب؟

 هناك على الحافة تسكن تلك المدن.. والباقى ركام

   فى المدن البعيدة تتباعد المسافات ما بين الذات والأنات وكأنه سفر وسفر وبينهم غياب

 كل شئ مربوط بين طرفى خيط ممدود.. هى هكذا الأشياء

 تشغلنا الحياة بكل ما فيها وبكل ما فيها من أحداث ولكنها ليست سوى أحد الأطراف أم الطرف الأخر فهو الموت

 لا يسعفنا الوقت لنتذكر أن كل شئ مخلوق من موت وحياة .. الوقت هو الإحلال المؤقت بينما الموت هو الإنفلات الدائم

 نحن نخطط الوقت ونرسمه للصباح التالى ولكننا لا نخطط للنوم فهو بلا وقت

 هى  هكذا الأشياء تدور بين الطرفين ولكننا نرى أحدهم، والطرف الأخر لا نراه.. هو الغياب

 المجنون الذى يقف على الحافة لا يقيس المسافات.. لا يعرف الفرق بين السقوط وبين الطيران

 المدن البعيدة تراودنا فى الخيال.. المدن البعيدة تبقى على الحافة هناك حيث يرسم المطلق الدروب والأبواب

 المدن البعيدة لا يسألنا فيها الغرباء عن أسمائنا فلسبب ما كنا هنا لا نحتاج أن نعرف المجهول، بل كان مروره مفهوم وغرابته مألوفة.. هنا المجهول قريب كقرب الذات

 الوقت هنا بعيد وبلا عقارب يبدأ وينتهي وحده وقد يكرر نفسه طويلا.. الوقت هنا مختلف، فاللحظة قد تكون ساعات والساعات قد تبدو كلحظة والعمر يبدو وكأنه لم يكن سوى طرفة عين.. الوقت فى المدن البعيدة ليس له ترتيب زمني فقد تكون فيه عجوز ثم تجد نفسك طفل صغير فى اللحظة التى تليها.. الوقت فى المدن البعيدة يتحرك وحده فيعود إلى أى نقطة فيه دون سابق إنظار.. المستقبل فيه قد يكون حدث فى الذاكرة والماضي فيه قد يكون شئ لم يحدث بعد

 فى المدن البعيدة لكل شئ مسمى أخر.. فالشجرة قد تكون بركة ماء والبحر قد يكون أغنية والنافذة قد يكون طائر شريد.. القصة قد تكون نسيان والحزن قد يكون طريق متعرج بين التلال.. المطر قد يكون صدع فى جدار البيت والقطار قد يكون صفحة الجريدة.. فى المدن البعيدة الأشياء ليست كما كنت تختزنها بل لها مرادفات أبعد مما لمست ذات يوم

 فى المدن البعيدة تقابل نفسك وتراه يقف أمامك.. تحاوره فيجيبك بما لم تكن تعرف.. هو أنت ولكنه مختلف.. يتحدث عن أشياء مختلفة وله أحساس مختلف وذوق مختلف وفى أحيانا كثيرة يمر من أمامك وكأنه لا يراك.. يسير وحده وكأنه لا يدرك وجودك بأي من حواسه.. فى المدن البعيدة أنت وأنت غرباء

 فى المدن البعيدة كل شئ يكمن عند طرف أصابعك ولكنك لا تستطيع أن تمسه.. المدن البعيدة هى الغياب.. غياب الوقت عن الأحداث وغياب المسافاة عن الطريق.. فى المدن البعيدة تكون أنت البعيد وعندما تقترب ستكتشف أنك بين عالمين لا يتقابلان

 هل تعرفين المدن البعيدة التى تقترب؟ ها هي تبدو هناك.. تقف وحدها على الحافة

 ياسر أحمد

المدن البعيدة - ياسر أحمد

طريق الغرباء

Filed under: حكى | Tags: | February 8th, 2012

وقفت وأشارت هناك نحو البعيد وقالت “هل ستمضى نحو هناك؟” فبقيت مكاني أطالع الطريق وكأنه كان يسير وحده دون أن ينتظرني.

 كان كل شئ معروف قبل أن أقابلها، هو أنا وهذه حياتي وتلك هى حجرة صغيرة لتأملاتي، وهذا الردايو فى الركن يعيد على مسامعي كل ليلة تلك الموسيقى التى تشبهني، وذلك البراد يفور كل مساء بشاي التذكر والشرود، وتلك النافذة ذات الحواف الصدئة تطل علي عندما أطل منها وأرى شخص عائدا فى ليل الشارع الضبابي وعندما يقترب أجده أنا. كل شئ كان فى مكانه حتى عندما يراوغنى فى الأحلام ويحاول أن يخدعني ويتخفى مني فى صور مختلفة.

  هذا الصباح أعتدته مهما تغير رقمه فى النتيجة وذلك الممر الضيق هو طريقي الصباحي نحو المقهى، وهنا يقف عجوز أصم ينتظر عملاتي المعدنية لترن فى جيب جلبابه الأبيض، تلك هى نقرات أصابعي على حافة الطاولة تعبر عن قلقى الصباحي، وهنا على الكرسى المجاور نفس الشخص الذى أتحاشاه كل يوم ويتحدث إلى ولا أراه، تلك هى الجريدة المطوية التى أشتريها كل يوم ولا أقرأها.

 كان كل شئ يعرفنى وأعرفه وكأنه زمن كتبته قبل أن أعيشه ورسمت أحداثه، كل شئ هو وقع حياة ألفتها فأصبحت تسير معى أينما ذهبت وأن  شردت منها لفترة ثم عدت، كنت أجدها كما هى دون أن تتغير. كل الأشياء كانت فى مكانها دوما والأحداث كانت تحدث دونما أن تسألني أى أسئلة. كانت الطرقات تعلمني بعلامات فكل طريق كان يسير بي دون أن أدرى وحتى ظلي كان يسير أمامي ولا يتبعني.

 كل شئ كان فى مكانه حتى ظهرت ذات يوم وقالت “أنتظرني”. لم أعرف ماذا قصدت؟ وكم سيطول الإنتظار؟ وبقيت أيام وشهور أنتظر دون أن أعرف سبب. من يومها تغيرت كل الأشياء التى أعرفها فلم يعد هناك شئ واحد فى حياتي يذكرني وكأنني دخيل على ذاتي التى عشت معها كل يوم طيلة عمري.

 كل يوم أصحو كالغريب الذى ينتظر الرحلة التى ستعود به إلى الديار، كل يوم أمضى ولا أعود وأنتظر ما كان مني ولم يعد موجود. كل شئ كان لدي صار بعيدا عني وتفصل بيني وبينه مسافات طوال كانت هي تسكنها ومضيت أنتظر حتى مل مني الإنتظار.

بدا كل شئ من حولي وكأنها كانت فيه من قبل أن أقابلها ومن قبل أن أكون موجود، بدا كل شئ وكأنه ناقص من دونها وبقيت وحدي أجوب الطرقات وأطالع دقات الساعات وكلما حسبت الوقت وجدته معاد.

 وذات يوم مرت بي مصادفة فطالعتها منتظرا مصيري. أشارت هناك نحو البعيد وقالت “هل ستمضى نحو هناك؟” فبقيت مكاني أطالع الطريق وكأنه كان يسير وحده دون أن ينتظرني.

 كان كل شئ قدر محتوم ينتظر الحدوث والأشياء التى نعرفها كلها والعادات التى نكتسبها ما هي إلا أماكن فى ذاكرة مسافر يمضى من حال إلى حال، كل ما يعرفه سيعود غريبا كما كان.

ياسر أحمد

البحث عن الشخص الذى يعرفني

Filed under: حكى | Tags: | January 29th, 2012

كنت أمر من هنا ثم توقفت وحدثتني نفسى “هذا المكان أعرفه”، ومضيت أفتش فى غياهب الذاكرة باحثا ولكنى لم أصل لأى شئ.

أقف على الناصية وحيدا فى الليل وعيني تغوص فى المكان كأنها ضوء مصباح مثبت على عمود الشارع، يجول نوره ببطئ فى أغوار الظلام.

ما هذا المكان الذى يوقفني فلا أمضى ولا أسير وأظل على عتابته متسائلا؟ وكأن شئ فى الذاكرة يكمن هنا وينتظرني لأبوح. فى هذا المكان أتوقف وكأن هناك فى هذا السكون ميعاد ينتظر.

سرحت فى نفسي وأرتحلت فى ذاكرتي تأخذنى بلدان وصور وطرقات ووجوه. أنفتحت الذاكرة على دروب بعيدة وليالي طويلة وأحاسيس حب وكره وغضب وحكايات تغزل نفسها بلا نهايات. كل الأشياء تلتقي مع بعضها البعض فى لحظة ثم تنحسر عن بعضها فتتفكك وكأنها فورة إعصار غطي وجه الأرض ثم أنحسر تاركا الأشياء لتحكي لك عن نفسها.

هذا وجه أخى الأسمر وعينيه سارحة تفتش في، وكعادته يختزن فى داخله أشياء يراها في ولم ينبأني بها، ولا يخرج مني سؤال ولا يخرج منه كلام. هذا صوت أول فتاة قابلتها فى الغربة عندما مرت بي ثم قالت “أهلا أيها الغريب” وألتمعت عينيها وكأنها تطالع رجل خرج من كتاب كانت تقرأ فيه. هذه صورة فى الذاكرة أرسمها لنفسي فأراني طفل رفيع يرتدي زى المدرسة ويرتجف جسده الضعيف مع أى برودة تتسرب إليه وهو يسير وحيدا حزينا فى صباح شتوي بعيد. هذه صورة خشب مرفأ قديم متهالك كنت أجلس عليه وفى يدي دفتر أكتب فيه شعر يتلوه على البحر الأزرق وكأنه يقول ما أريد. هذه صورة فتاة أحببتها كانت تحييني كعصفور رقيق كل صباح ثم أتى يوما ورسمتني رجل يمشي مبتعدا ومطر يسقط عليه من دموعها. هذه قصة أحفظها عن ظهر قلب وكلما حكيتها لشخص لم أكملها.

فى هذا المكان تأتيني الذكريات تلو بعضها كثيرة وبعيدة، تنمو وتنمو فى أرض خيالي وتتشابك وتحكي وتصمت وتطالعني وأطالعها وكأنى كنت قد نسيتني ونسيت شكل وجهي وذات يوم طالعني على صفحة البحيرة فأندهشت منه وأندهش مني. أحكي لنفسي قصتي فتحكي نفسها لي، أسأل ذكرياتي من أنا؟ وما هذا المكان الذى أوقفني ولم أتحرك؟ فتسألني ذكرياتى أن كنت حقا أذكرها؟

أطالع المكان من حولي محاولا أن أعرفه أو أجد صورة فى ذاكرتي تتطابق معه ولا أجد. بيت قديم ونوافذ مغلقة وشجرة صفصاف تغطي شرفته. شارع طويل تنام على جانبيه بيوت وحيدة وصامتة. مقهى مغلق يتسرب منه الضوء ومفتاح فى يدي منتظر.

أسأل ذاكرتي القريبة، إلى أين كنت ذاهب؟ فترد ذاكرتي البعيدة علي، كيف أتيت؟ ويبقى كل شئ في يذهب ولا يعود.

يدخل المفتاح فى الباب فينفتح، دراجة تقف وحيدة فى المدخل وبريد كثير مسجل عليه أسمي ينتظر على العتبة. هاتف يرن فى الركن وحيدا وأوراق على المكتب مكتوب عليها رسالة مكتوبة لشخص لا أعرفه، هذا الخط هو خطي وهذا أمضائي فى الخاتمة. وضعت الرسائل القادمة إلى جوار الرسائل التى لم أرسلها وقلت لنفسي.. لعله أنا، ونمت.

ياسر أحمد

 

في روايته الجديدة يبحث عن مفاهيم الانتماء والحرية

“ياسر أحمد يرصد هموم جيله فى رواية “عكس الاتجاه

:القاهرة -  عبد الفتح الزغبي
“عكس الاتجاه” رواية صدرت حديثاً للكاتب ياسر أحمد, بعد رحلة من التدوين والنشر الالكتروني, رصد من خلالها الأحلام الضائعة لجيل الشباب, الذي ولد وتربى في عهد النظام الذي أسقطته ثورة 25 يناير, بعد أن كان هذا النظام السبب في التشتت الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي, وحتى الاقتصادي, وكذلك في المفاهيم المغلوطة التي تكونت لدى شباب هذا الجيل, وجعلتهم يغرقون في دوامة من البطالة والجهاد من أجل الزواج, حول الرواية وما تناقشه من قضايا, يدور تحقيق “السياسة” التالي:

  رواية “عكس الاتجاه” تتناول منطقة وسط البلد “بالقاهرة” ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا, لماذا لم تتخذ عنوانًا يدل على ذلك?
لم أرد أن أحصر عنوان الرواية في وحدة مكانية, فأنا أرى أن وسط المدينة لا يعبر عن نفسه فقط, على أساس أنه يمثل موقع الأحداث المؤثرة في الوطن ككل. ومنطقة “وسط البلد” في حد ذاتها لم تكن الغاية, لكنها الأكثر تعبيرًاكتب الثورة المصرية عن المشهد الثقافي والسياسي للجيل الحالي. أما “عكس الاتجاه” فهو عنوان يعبر عن السياق, وعن اتجاهات الشخصيات التي تجسد مشكلات جيلنا. وأعتقد أن من يقرأ الرواية سيصله هذا المعنى فالشخصيات الرئيسية كانت تبحث عن اجابات لتساؤلات جيل الشباب في مصر, وعن مفاهيم الانتماء, والحرية, والزواج, والهجرة, وغيرها, وكان وسط البلد يمثل الاطار العام الذي لم يكن فقط يعبر عن المشهد السياسي والثقافي, بل يربط تاريخ المدينة الحضاري الحديث, بما وصلنا اليه من تدهور في العقود الأخيرة.

  لكن الرواية بالفعل رصدت ما مرت به منطقة “وسط البلد” من تغيرات?
هذا بالفعل ما حدث لكن باعتبارها جزءًا من وطن تغيرت فيه المفاهيم بشكل عام, كما أن “وسط البلد” ليس حالة منفصلة, وانما هو جزء مما حدث في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية للقاهرة والوطن بشكل عام.

  وما الذي جذبك اليه عن غيره من المناطق?
لأنه ببساطة يحتوي على مقرات الأحزاب السياسية, ومقرات المؤسسات الدولية المختلفة, وبه مقاهي المثقفين والصحافيين والنشطاء من مختلف التيارات, بشكل يفوق أي مكان آخر في مصر لذلك فان اختيار وسط البلد كان بالأساس بداية الطريق في رحلة البحث عن الوطن, والتي تقوم بها شخصيات الرواية الأساسية. والرواية لم تكن تبحث عن تفسيرات للتشابك الموجود في أحداث وسط البلد, وشخوصها, وانما تمثل تساؤلات تحاول الكشف عن الجانب الحقيقي لهذا المجتمع وأحداثه الثقافية والسياسية.

  لماذا أهديت الرواية لأبناء جيلك دون غيرهم?
لأنني مهموم بالكتابة عن مشكلاتهم, وما يحملونه من طموحات وهموم على حد سواء لذلك كتبت لهم اهداء الرواية بعد الانتهاء منها كاملة, وأرى أن هذا الاهداء يمثل في حد ذاته الخط العام الذي يشكل سياق الرواية, التي كانت بالنسبة لي الأمل في ايجاد عمل أدبي يمس الجيل الذي أنتمي اليه, وسأواصل هذا الأمل في كتابتي المستقبلية محاولاً تقديم أدب واقعي, يعبر عن جيل لم يكتب عنه بالشكل الكافي, خاصة في الأعمال الروائية.

حالة رصد

  من يقرأ الرواية يشعر وكأنها انتقاد للتيارات السياسية والفكرية والاجتماعية, وللتوجهات الاقتصادية, وانها خالية من أي نظرة أو رؤية ايجابية لتلك النواحي, لماذا?
لأن الجيل الحالي لا يعاني الا المشكلات التي خلفتها عصور الاستبداد السياسي, وما صاحبها من مفاهيم وآثار اجتماعية وتغيرات اقتصادية فانتشرت البطالة وغاب المثقفون عن المشهد, وتعالت النخبة, كما أن الرواية بشكل عام لا يمكن تصنيفها بالايجابية أو السلبية لأنها تمثل حالة من البحث في واقع المشكلات القائمة. وقد حاولت أن أعبر عن حالتنا الحقيقة, لا أن أخلق صورة خيالية فقط أو أن أطرح حلولا لما نعانيه, الرواية بصفة عامة هي حالة من الرصد تميل الى الواقعية, والى التفكير في مشكلاتنا بصورة أكثر وضوحًا.

  هل تحمل الرواية أبعاداً فلسفية?
أعتقد أن الرواية التي تحاول رصد واقع ما, هي بالضرورة تحتوي بعدًا فلسفيًا يفرض نفسه طيلة الوقت. الراوي كان دائم الحوار مع ذاته, وأعتقد أن هذا قد أضفى بعدًا نفسيًا وفلسفيًا على الرواية.

  رغم أن شخصيات العمل محدودة الا أن كلاً منها يرمز لشيء ما.. لماذا?
بطبعي أميل لتقديم الشخصيات بصورة مختلفة, وحاولت ألا أكتفي بعرضها فقط دراميًا ضمن سياق الأحداث, وهو ما جعلني أبحث في تركيبتها, وكان هذا التحدي الأكبر بالنسبة لي, فخلال الكتابة كانت الشخصيات التي صنعتها تتحاور في رأسي طيلة الوقت, وتعبر عن نفسها من دون أن أدري. وفي كثير من الأحيان كانت هي التي تصنع أحداث الرواية كما حدث مع فريدة شمس الدين, وحاتم, وجهينة, وشهدي التهامي. أعتقد أن الشخصيات كانت بالنسبة لي مفاتيح لقضايا مختلفة, وهذا ما جعلها أكثر عمقًا.

  وكيف ترى الحال الآن بعد اقتراب الثورة من عامها الأول?
الثورة في حد ذاتها ليست حدثًا وقع وانتهى, وانما هي بداية, وأعتقد أنه لا يزال أمامنا الكثير حتى تتشكل الحالة المصاحبة لها. فالحرية مثلاً ليست في قانون أو دستور أو بتغيير نظام حكم, بل هي أكبر بكثير, وتحتاج الى تنوير وفكر يحميها, وهي أيضًا فعل مستمر. أما عن رأيي الشخصي في الثورة بعد مرور عام على اشتعالها فمن الأفضل أن أقدمه في روايتي الجديدة التي شرعت في كتابتها, وأنا على قناعة تامة بأن ما يتشكل من أحداث الآن يحتاج الى أعمال أدبية أكثر مما كانت تحتاجه تفاصيل الأيام الأولى من الثورة.

هموم الجيل

  ألم تخش من أن تكون مناقشة هذا الكم من المشكلات السياسة والاجتماعية والاقتصادية والثقافية مُربكة للقارئ?
كل هذه المشكلات ما هي الا جزء من هموم الجيل الحالي, ولا يمكن أن تنفصل عنه. فلدى هذا الجيل الرغبة في التعبير عن رأيه بحرية, والتي كانت دومًا تصطدم بالنظام السياسي السابق, الذي أغرقنا في مشكلات محبطة مثلياسر أحمد البطالة والزواج, وكلها تشكل أزمة جيل كامل في البحث عن الوطن, وعن الذات.

  الى أي مدى تعتبر تناول هذا الكم من المشكلات في أحداث روايتك الأولى يمثل تحديًا للكاتب الشاب?
الرواية تمنح الكاتب اكبر مساحة ممكنة للتعبير, كما تعطيه أفقا أكبر وجمهورا أكثر, وأنا لم أكن أبحث عن بداية سريعة بل كنت أبحث عن تحد أكثر فاعلية, أقدم نفسي من خلاله, ولقد حاولت ألا أظهر للقراء الا بعمل جيد ومتميز, يضيف لي شيئًا جديدًا وقد استغرقت قرابة العامين والنصف لأخرج هذا العمل الى النور, وخضت هذا التحدي بصبر وأتمنى أن أكون قد وفقت في التعبير عن واقع الجيل الذي أنتمي اليه.

المقال منشور فى السياسية الكويتية عدد 16 يناير 2012

http://www.al-seyassah.com/AtricleView/tabid/59/smid/438/ArticleID/173617/reftab/76/Default.aspx

بلا نوم

Filed under: حكى | Tags: | December 19th, 2011

أنا لا أنام بل أسقط. عندما يغلبني التعب أسقط وعندما أصحو أجد نفسي فى أماكن غريبة. مرة فى المقهى ومرة مسند الرأس على مكتبي ومرة فى حديقة بيت أمي ومرة فى السينما ومرة في منزل صديقي ومرة على مقعد المترو.

 أنا لا أنام بل أسقط كورقة شجر تهوي فى ظلام رياح ديسمبر البارد. الزمن يمضي وتدور عجلة الأيام وكل ما أبحث عنه يمضي مبتعدا. لم أكن أعلم أن تلك الحياة تشربني على مهل وأنا فى أوج قوتي. طيلة عدة أشهر كنت أحارب من أجل أن أصل إلى أول الطريق ولكني أكتشفت أن زلة قدم ستؤرجحنى فى الهواء فجاءة وسيتداعي طريق الصعود من تحتي فى لمحة بصر.

 أن تسقط من فوق ما صنعته أو أن تبقى؟ لا يعدو سوى مقامرة لا تعرف نتائجها. الأمل الذى كان يدفعك نحو الصعود لم يكن من صنعك فقط بل كان أيضا يحتوي على قدره الخاص به. تتحرك كل دوافعك نحو الأعلى ويبرق الأمل على طول الطريق وتتبعه وتصدقه ثم فى لحظة يتأرجح بك ويسقطك بضربة لم تراها وهى آتية نحوك.

 عندما أصحو من سقوطي أفكر فى البشر وأتعجب. كيف يكون لدينا كل تلك القدرة على توليد الأمل ليكبرفينا، فى نفس ذات الوقت الذى نولد فى داخله خيبته؟ كيف هكذا نولد الأمل واللا أمل ملتصقين ببعضهم البعض ونمضى بهم؟

 كيف نحمل فى داخلنا الأشياء ونقيضها ونقضي الوقت فى غمار تلك المقامرة بين ما كان منا وما كان علينا؟

تعلو قويا وتسقط ضعيفا وتتحدي نفسك وتهزم نفسك. أحيانا تصفع الظروف وأحيانا تصفعك، تصارعها فتقضي عليك أو تصنعك.

 عندما يخيب القدر ظنك أنت لا تنام، بل تسقط من الوعي إلى غياهب الظلام، وعندما تسيطر على وعيك أنت لا تسقط بل تجمع شتاتك لتعاود مواجهة قدرك.

 مابين النوم والسقوط أنت تقامر بكل شئ ولا شئ.

  ياسر أحمد

ديسمبر 2012

Falling-yasser-ahmad