المؤلف

تدوينات | Tags: | March 14th, 2015

يقف المؤلف على رأسه أو هكذ بدا له الأمر في البداية. لقد فقد فجاءة الرؤية المعتادة وصار كل ما يراه مقلوب. لم يفهم السبب وراء ما حدث له ولكنه تابع الموقف من موقعه وبعد حينا بدأ يمعن النظر وهو يرسم على وجهه إبتسامة خبيثة، لقد أعجبه الأمر.

عندما حضر الناشر في المساء وسأله عن أعماله الجديدة قام بتفحصه قليلا ثم ضحك. دار حول الناشر دورة كاملة وهو يتهكم من ملابسه المهندمة وقصة شعره ثم مالبس أن أشار إلى الباب. لم يفهم الرجل ما يحدث ولكنه شعر بالإهانة فخرج وهو يتمتم. ما أن غادر حتى فكر المؤلف قليلا، لقد فرغ بالفعل من كتابة الرواية الجديدة وهو بالفعل يحتاج لناشر ولكنه كان يكره الناشرين، كلهم مغرور,ن وهم لا ينتجون شيئا، يقفزون فوق العمل كأنه غنيمة جاهزة ثم يسا,منه حول الحقوق، هذا بالإضافة لفريق المحررين المزعجين من مدعي الفصاحة اللغوية والحنكة الأدبية، يبدون آرائهم المتشعبة في كل تعبير ولفظ، هؤلاء من أنصاف المواهب اللذين فشلوا في الكتابة فتحولوا لمهنة فارغة بلا قيمة. تخيل روايته وهي مصفوفة في متجر الكتب بين عشرات من الكتب الساذجة المنتشرة في تلك الأيام عن الرعب والمصاصي الدماء والتعويذات السحرية وضحك. تخيل القراء وهم يتجاوزون روايته وضحك بعدم إكتراث.

تطلع نحو أوراق الرواية التي فرغ منها منذ عدة أيام ثم انتقى ورقة وشرع يقرأ ما كتب وبعد أن انتهى لم يفهم لماذا كتب هذا؟ لم يبدو الأمر واضحا إليه ربما لأنه كان قد قرر أن يكتب تلك الرواية دون أن يتدخل فيها. لقد ظل يكتب فقط دون تنميق ودون تدخل يذكر من عقله. تسائل إن كان الكلام الذي ورد على لسان بطل الرواية حقيقي أم لا؟ لكنه سرعان ما رد على نفسه بحزم “على كل شخص أن يقول ما يريد، ولماذا أريد أن أعرف؟ فليقول ما يريده”. وضع الصفحة بحرص في مكانها بين الصفحات.

خرج للشرفة يدخن وطالع السيارات وهي تمضي فوقه والعصافير وهي تهبط للسماء بأسفل، تعجب قليلا ثم ضحك. فكر في كل الأشياء التي لا نسيها من سنين، تذكر صوت عجلات القطار عندما سافر لأول مرة وطعم لآيس كريم على شاطئ البحر والفتاة التي إلتقاها عند المفرق منذ خمسة عشر عاما وأطلت نحو دفتره ثم سألته عما يكتب؟ تذكر أول مرة جلس أمام الورق ليكتب، تذكر خفقان قلبه مع كل كلمة تخرج، أحلام تتطاير وأحاسيس تندمج وتنسال. تذكر كل التفاصيل الصغيرة في حجرته الوحيدة الكامنة بطرف البيت، صفين من الكتب مازل عبق رائحتهم يعربد في ذاكرته، مصباح صغير على المكتب كان ينير له مساحات من خياله تبتلع مدن وطرقات وشطآن، جدران يسكنها أشخاص وهميون يتحدثون معه ليل نهار. الآن يتذكر ويتذكر وتبحر مراكبه في زمن بدأ فيه كل ما كان. لم يكن هناك شئ مقلوب في ذلك الزمن، كل شئ كان موجودا في موضوعه. كانت أحلامه تشبهه تماما.

عاد إلى الغرفة وطالع كل كتبه السابقة المقلوبة على الرف وسئل نفسه، هل كل ما قاله كان يعنيه؟ لم تجاوبه الكتب الصامتة بشئ.

writer

الطفل صاحب شجرة الأحلام

حكى | Tags: | December 27th, 2014

لن يبقى الحلم حيث تركته، لقد تغير كثيرا.. أبتعد ربما أو أقترب. كل منا يعرف متاهاته في واقعه ويتقن أساليب ضياعه بها. أخر شئ تسطيع أن تتأمله هو نفسك. صورتك الحالية لن تقترب مهما حدقت بها.

أغيب أمام وجهي في المرأة ولا أستطيع تحديد ملامحي بدقة، أنا فقط أرى الزمن! نعم.. الزمن يطل علي.. وجهى نافذة شديدة الشبه بي ولكنها تنفتح على دروب مدينة أخرى.. آرى بيوت عنيدة، تتعارك في الأفق المشحون بالضباب.. جدران الطرقات أكلها ملح الأيام وغبار الأزل.

عند نافورة يابسة، يلعب طفل حافي القدمين.. يجمع الأغصان اليابسة ويغني للشجرة الوحيدة.. صوته يرن كالصدى الغائر في باطن الذاكرة.. أراقبه في صمت وهو يجول في عالمه بلا أحزان.. مازل كما كان.. جسده الضئيل وشعره البني والنماشات التى تغطي أنفه.. لازل يتحسس الحوائط بصبر كأنه يبحث عن كوة مسحورة.. يعلق عينيه بالسماء وكأنه يقيس المسافات بين السير والتحليق.. يحلم برمال الشاطئ رغم أن البحر أبعد من كل ما قطعه من مسافات.. يحلم بالتوت الأحمر رغم أن الشجرة قد ماتت في مكانها من قبل أن يولد بسنوات.. يحلم بشرفة تطل على البراح رغم أن بيوت المدينة قد سدت الفراغ.. يحلم بالمطر الناعم رغم غياب السحاب.. يفتش عن طائر صديق يسير معه في الطرقات.. يتمنى لو يراني ذات يوم.. يتمنى أن أحكي له حكايات غريبة.. يريد أن أروى له عن أسفاري والبلاد التي زرتها.. كم من طرقات الأمطار عبرت؟.. في أي مدينة تلاشيت؟.. يريد أن يعرف قصة حبي الغريبة ويسرح فيها..هل أصبحت كاتبا مشهورا أم لا؟.. أنه ينتظرني لأروى له الواقع البعيد بينما كان يغني للشجرة ويجمع الغصون اليابسة من الدروب الصامتة.

أتطلع إليه ولكنه لا يراني.. لا أعرف عما سأحكي له؟.. لا أعرف إن كان الواقع يشبه خياله؟.. أنا قد ضعت منذ سنوات في واقعي ولم أعد أعرف هل حكايتي سترضي إنتظاره الطويل؟ لم أعد أعرف كيف أميز بين رمال شاطئ أحلامه ورمال الشطآن التي عبرتها؟

بالرغم من أن كل مالديه كانت أحلام تلو أحلام، إلا أنه كان يعرف تماما شكلها.. يعرف كيف يصفها.. يعرف كيف يبنيها ويسير فيها. أما أنا فقد كنت غائب عن كل مالمسته في الحقيقة وسرت فيه. لقد أتقنت ضياعي في دروب الواقع بينما كان هو يستدل على كل شئ في أحلامه.

يرن صوت الغناء في جوف الذكريات.. يرن من البعيد.

ياسر أحمد

Sketch-Tree

نحن لانروى سوى الأشياء التى نفهمها، أما ما لا نفهمه فيبقى معلقا في مكان ما بداخلنا لا يمر ولا يخرج. نحن لا نروى سوى أطراف القصة التى لا تريد أن تكشف أغوراها. نعدو خلف الكلمات في سباق أبدي فلا هي تسقطنا ولا نحن نرويها كما يجب أن تكون.

لا يمل الكاتب كلماته حتى تستنزفه سطرا فسطرا. لا يفهم الكاتب حكاياته سوى عندما تراوده عن نفسه وعن أوجاعه. يقع تحت سطوتها وتجره معها نحو ما تريده منه، تستغله وتطوعه وتسلسله، لا لكي يفهم بل لكي يروى. لكي يفرغ من نهاية ما ينتظرها الأخرون ولكنها لا تنهيه. نهاية تشبه وداع في محطة قطار. وداع يحملك لوجهات أخرى متعاقبة. رحلة تلو رحلة وأنت على قضبان الكتابة، تغادر في كل محطة نهاية وتلتقي في كل محطة سطرا يسطو على أفكارك ويجرك نحو قصة جديدة.

على أطراف الحكاية تطلق العنان وترتحل قلقا ما بين ذكريات ما مررت به وما تسعى إليه من أحلام ولكنك قد نسيت أن الحكاية نفسها لم تكن كذلك. لقد صارت القصة كما يجب أن تكون. أنها تريد نفسها هكذا وسوف تقتنع أنت أيضا بكل هذا وستظل تكتب وتكتب…

لن نعرف ما نكتبه، لقد كان الغريب الذي توقف وأستل سيجارة وظل يحكي. يحل الوعي من سلاسلة الطويلة ويمضي نحو الحدود المفتوحة. هنا نقف لنعرف تلك الأشياء التي بقيت غامضة طوال العمر. هنا نعرف أنفسنا من جديد ونكتشف أننا كنا دوما شيئا أخر. لقد تشوشت الرؤية وسبحنا في الضباب لعقود وكنا نظن أننا كنا نعرف.

قبل أن نفهم علينا أن ننتظر طويلا.. أطول مما قد نستطيع تحمله أحيانا.. هناك تلك الحواف التى يجب أن نبلغها ثم نسقط لنتحطم على صخور شواطئنا قبل أن نفهم من نحن ومن كنا طيلة الوقت. في داخلنا دائما ما نخبئ أنفسنا. نخبئ هذا الشخص الذي نخشى عليه من أثر الأيام. نتركه حتى يصير غريبا وغامضا. يراقبنا من الداخل ويتحرك معانا في صمت. يعرف كل حكايتنا ولا نتحدث إليه.

تدق الساعة لتعلن بلوغ الليل منتصفه وأنا أجوب طرقات المنزل أبحث عن لاشئ. يروادني ذلك الحدس كسرب من طيور مرق من شرفة البيت. يطل الغريب ويحكي وأنا أدون خلفه. لم يحكي الغريب القصة التي أريدها.. لم يحكي القصة الجميلة.. كان يحكي عن ذكريات حزينة وأحلام ضائعة.

الكتابة

جمهورية القرد الأحمر

جمهورية القرد الأحمر, رواية | Tags: جمهورية القرد الأحمر, | August 27th, 2014

الرواية تفتح أبواب عالم ما بعد الثورة وتطل على التحولات السياسية التى مرت بالثوار بعد الثورة وماحدث من تحولات كبيرة في طموحات جيل الشباب. الرواية تمر ما بين زمنين مختلفين تدور بينهم الأحداث من خلال مجموعة من الشباب انقسموا في إتجاهاتهم السياسية وقادتهم التحولات في إلى نهاية ينقلب فيها كل شئ رأسا على عقب.
أنا القرد الأحمر
أنسَ كل ما مضى
أنسَ كل ما كنت تعرفه
نحن الدولة الجديدة
اجمعوا كل شئ تعرفونه وتعلمتوه واضربوه في ألف.. نحن هذا الرقم
اضرب خوفك في ألف.. أنا هذا الفزع
اضرب ضياعك في ألف.. أنا هذا الزمن
اضرب عقدتك في ألف.. أنا هذا الألم
أنا القرد الأحمر
أعلن تأسيس الجمهورية الجديدة

Red-Monkey

 

الكتاب متوفر بالمكتبات وتم ترشيحه لجائزة البوكر 2015

موقع الكتاب على جودريدز: https://www.goodreads.com/book/show/22452436

جمهورية القرد الأحمر